Tuesday, January 25, 2011

The Egyptian Pharaoh

عثمان عثمان: أهمية تركيز القرآن الكريم على قصة فرعون ما هذه الأهمية في مواجهة الظلم والاستكبار؟
يوسف القرضاوي: نعم. فرعون ذكر في القرآن 74 مرة يعني شوف دلالة.. سيدنا موسى ذكر في القرآن 36 مرة مع أن موسى من أكثر الأنبياء ذكرا في القرآن الكريم ومع هذا فرعون ذكر أكثر من سيدنا موسى لأن فرعون فعلا يمثل الاستكبار في الأرض الجبروت في الأرض العلو، كلمة علو في الأرض لم تذكر إلا لفرعون بالذات أكثر مما ذكرت لغيره، العلو يعني إيه؟ الطغيان {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً..}[القصص:83]، {مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ الْمُسْرِفِينَ}[الدخان:31]، {..وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ}[يونس:83]، {..فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِيَ}[المؤمنون:46] فالعلو هنا يعني الطغيان على خلق الله واعتبارهم لولا كأنهم ناس لا قيمة لهم مهمتهم يشتغلوا خدما وجنودا عنده، ولذلك من أوصاف فرعون التي ذكرها القرآن الاستخفاف بالناس يقول لك {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ}[الزخرف:54]، {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ}[هود:98]، {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}[هود:97] فهذا يعني شخص جبار يعني في الأرض يريد أن يستذل الناس ويدعي عليهم أنهم إلهة ابن الشمس أو ابن كذا، فيدعي الألوهية والناس تصدق هذا، ولذلك القرآن يدين فرعون ودائما يذكر مع فرعون شخصيتين أخريين، الشخصية الأولى تمثل الرأسمالية المستغلة شخصية قارون، والعجيب أن قارون كان من قوم موسى ولكن انضم إلى عدو بني إسرائيل وهو فرعون، خان قومه وانضم إلى أعدائهم، المصلحة جمعتهم {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ}[غافر:23، 24] فقارون يمثل الإقطاع الظالم والرأسمالية المستغلة لأن القرآن ذكر عنه {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ..}[القصص:76] المفاتيح فما بالك الكنوز قد إيه، طبعا المفاتيح زمان ما كانتش زي مفاتيح دلوقت، ده مفتاح يعني قطعة كبيرة فعلشان تنوء بالعصبة إلى القوى، فقارون وهامان، هامان يمثل السياسيين الذين باعوا أنفسهم للمستكبرين والمتأهلين في الأرض خدم لهم جعلوهم هم يسيرون في ركابهم ويفلسفون لهم إزاي كيف يطيعهم الشعب ويخدمونهم في سياستهم. فهذا الثالوث التحالف الثلاثي بين السلطة الحاكمة المتأهلة والرأسمالية الظالمة المستغلة والسياسيين الذين هم واسطة بين الفريقين وضد مصلحة الشعب.
عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني هناك حديث عما يسمى بالسياسة الفرعونية التفريق بين الشعوب الاستخفاف بعقول الناس كما ذكرتم، مطاردة المصلحين الخوف من ثورة المظلومين والبطش بالناس، كيف يمكن توضيح ملامح هذه الشخصية الفرعونية؟ نسمع الإجابة إن شاء الله بعد فاصل قصير، فابقوا معنا مشاهدينا الكرام نعود إليكم بإذن الله بعد الفاصل.
[فاصل إعلاني]
ملامح السياسة الفرعونية
عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي هي بعنوان فرعون والفرعنة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. سيدي تحدث القرآن الكريم في مواضع كثيرة عما يمكن تسميته بالسياسة الفرعونية، لو أردنا أن نحدد ملامح هذه السياسة الفرعونية بكل ما فيها من فساد وإفساد.
يوسف القرضاوي: إنها سياسة الظالمين الجبابرة المستكبرين في الأرض بغير الحق دائما، هذه السياسة تقوم أول ما تقوم على الطغيان، حتى إن القرآن حينما قال لموسى حينما كلفه الله بالرسالة قال له {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}[طه:24] يعني ما يدل على أن أول ما تواجهه رسالات السماء مقاومة الطغيان، اذهب إلى فرعون وأخيه هارون اذهبا إلى فرعون إنه طغى فمقاومة الطغيان والبغي على الناس بغير الحق هذه قضية من سياسة فرعون التفريق بين أهل الوطن الواحد كما قال عز وجل {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً..} الأرض هنا أرض مصر وجعل أهلها شيعا المصريين والإسرائيليين والقرآن اعتبرهم أهل البلد، صحيح الإسرائيليون جاؤوا من الخارج ولكنهم جاؤوا برضا أهل البلد، ما جاؤوا محتلين، لو جاؤوا محتلين وظلوا مئات السنين يظلون غرباء إنما هؤلاء جاؤوا لما كان يوسف عزيز مصر وأنقذ الله مصر وما حولها على يديه فجاء بأهله وظلوا مئات السنين فاستحقوا الجنسية، القرآن يقول {..وَجَعَلَ أَهْلَهَا..} يعني اعتبرهم أهلها مما يدل على أن الإنسان إذا أقام في بلد مدة طويلة يستحق جنسيتها {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً..} فرق بين هؤلاء الناس، من ناحية أخرى تدل على أن الفرعونية تخاف من الشعوب، دائما الطغاة يعيشون على الخوف من شعوبهم، العادل لا يخاف، زي ما سيدنا عمر لما جاء رسول كسرى ووجده نائما تحت شجرة يعني فقال له الكلمة الشهيرة "عدلت فأمنت فنمت يا عمر"، العادل يأمن فيطمئن وينام إنما الظالم يبقى دائما خائفا، هو يخاف من الشعب وقال لك يمكن بني إسرائيل دول يكون زوال ملكي على أيديهم فكان يذبح أبناءهم، قال كان سنة يترك الأطفال وسنة يذبح كل المواليد، وشاء الله أن يجيء موسى في السنة اللي بيذبح فيها ولكن الله سبحانه وتعالى يعني أنقذ موسى بفضل منه وقال لأمه إذا خفت عليه فألقه باليم، إلهام من الله، إذا خفت عليه ارمه في البحر، يعني شوف لما تخاف عليه ارمه في البحر حطيه في صندوق وارميه في البحر، وفعلا صدقت..
عثمان عثمان: في عناية إلهية.
يوسف القرضاوي: صدقت بوحي الله وشاء الله أن يلتقطه آل فرعون {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً..}[القصص:8] اللام دي ليست لام التعليل، لا، هي يسمونها لام العاقبة أو لام الصيرورة، زي ما تقول لدوا للموت وابنوا للخراب، هو الواحد ما بيولدش للموت بيولد للحياة إنما النهاية للموت، فهنا بيقول التقطه علشان يكون في النهاية عدوا لهم وحزنا، وشاء الله أن يتربى موسى في بيت فرعون الذي سيكون على يديه هلاكه وأن امرأة فرعون تتسبب في إنقاذ موسى، كان يريد أن يقتله فقالت {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً..}[القصص:9] ويشاء الله أن امرأة فرعون هذه تؤمن بموسى تكون أحد أتباع موسى ويحكي عنها القرآن {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}[التحريم:11] حتى امرأته لم تنج من العذاب ولم تنج من الإيذاء. أيضا من السياسة الفرعونية الاستخفاف بالشعوب يعني كما قال القرآن {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ}[الزخرف:54] بالهيل والهيلمان والعظمة والبتاع يريد أن يكسب الجماعة بهذا الكلام {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي..} وقال {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ، فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ}[الزخرف:52، 53] ما عندوش ذهب وما عنده كذا فبهذا غر قومه وضحك عليهم واستغفلهم، والإسلام هنا بيحمل الشعوب مسؤولية اتباع هؤلاء الجبابرة واستخفافهم بهم يقول لهم شغلوا عقولكم لا تكونوا سياطا وخصوصا الجنود، القرآن يحمل الجنود تبعة ظلم الظالمين لأنهم أدوات في أيديهم، نقول ده مساكين، لا، وعبد مأمور، زي ما بيقولوا أنا عبد مأمور، من أمرك؟! هو ده مخلوق مثلك، ولذلك قال {..إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}[القصص:8] القرآن صريح في أنه يحمل الجنود مسؤولية طغيان الطغاة على شعوبهم ويقول {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ، وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ}[القصص:40- 41] الجنود والطغاة فلذلك أنا أقول في مناسبة ثورة تونس إن رجال الأمن لا يجوز أن يطيعوا الحكام الذين يأمرونهم بقتل أفراد الشعب، كيف يجوز للإنسان.. ما الشرطة في خدمة الشعب مش الشرطة تقتل الشعب، لماذا تقتل ابن وطنك ولم يفعل ما يستحق القتل؟ ممكن يعني تضرب بالهراوة ولا كذا أو بالغاز المسيل للدموع معقول إنما تضرب بالنار في الصدر هذا لا يجوز ويتحمل من يفعل ذلك المسؤولية، يعني فلذلك أقول إن مقولة عبد مأمور دي ثقافة مضللة ومسمومة ومشبوهة يجب نثقف يعني أبناءنا ألا يقتل أحد أحدا، القتل ده لا يكون إلا بقضاء قاض ومحكمة حتى يستحق القتل إنما نسلط الأفراد بعضهم على بعض، هذا يعني.. فلذلك فرعون سلط جنوده لقتل الناس ولما جاء موسى وكثر الأذى له ولقومه {قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ..}[الأعراف:129] فرعون قال {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ..}[الأعراف:127] حنعيد إليهم ما كنا نعمله من نعيد ثاني، نقتل الذكور ونستبقي النساء يخدمونا ونتمتع بهم، فهذا شأن الطغاة دائما فالسياسة الفرعونية سياسة تقوم على الظلم والتفرقة بين الناس ومحاولة تضليل الناس زي ما الآية اللي أنت بدأت بها الحلقة {..قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} حينما قام رجل من آل فرعون، شوف ربنا يصنع أشياء عجيبة جدا، يقوم من آل فرعون نفسه من الأسرة نفسها من يدافع عن موسى حينما {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}[غافر:26] شوف، شوف العجب؟ موسى يبدل الدين ويظهر في الأرض الفساد وفرعون يقول عن نفسه {..مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} فهذا نوع من الضحك على لحى الناس وتضليل الناس عن الحق وإيهام أنه يهدي إلى الرشاد وهو لا يهدي إلا إلى كل شر، لا يهدي إلى.. كلمة هداية هنا مجاز زي ما يقول {..فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ}[الصافات:23] فهي ليست هداية، هم يسوقونهم إلى صراط الجحيم، فهذه كلها من السياسة الفرعونية التي تقوم على تضليل الشعوب عن الحقيقة وعن طمس عيونها حتى لا ترى وتكميم أفواهها حتى لا تتكلم والتغطية على آذانها حتى لا تسمع.
العلاقة التفاعلية بين الشعوب وفراعنة العصر
عثمان عثمان: نعم. نأخذ بعض المشاركات على النت، الأخ محمود العقبي يقول "إن الشعوب هي التي تصنع فرعونها إن صح التعبير"، الأخ رمضان يقول "أسوأ ما ينتجه الطغيان والاستبداد في المجتمعات هو إفساد أخلاق الناس وجعلهم يلهثون خلف المادة وبعث النفاق في نفوسهم فيلجأ بعض الناس رغم كرههم لحكامهم إلى المداهنة"، الأخ بلال يقول "ليست المشكلة في الطغاة فقط بل هي أيضا بالمنافقين الذين يهتفون بأسمائهم"، أختم بسؤال للأخ علاء طلب يقول "كما تكونوا يولى عليكم، هل هذا كلام صحيح ومنطقي؟".
يوسف القرضاوي: هو بعض هذا الكلام صحيح، الذي يصنع الطغاة هم الناس، والمصريون الذين عاشوا مع الفراعنة قرونا لهم مثل أصبح موجودا في أكثر البلاد يقولون يا فرعون إيه اللي فرعنك؟
عثمان عثمان: ما لقيتش حد يردني.
يوسف القرضاوي: قال ما لقيتش حد يصدني، لو وجد فرعون من يقول لا، أنت لا إله ولا حاجة أنت شخص مثلنا بتأكل وبتشرب وبتمرض وبتموت وكما مات من ورثت عنهم ستموت أنت فهذه هي الحقيقة ولذلك مطلوب من الناس ألا يستسلموا للفراعنة فهؤلاء الفراعنة بشر مثلهم والجبابرة هم ناس مثلنا. القرآن حمل المسؤولية للشعوب التي تطأطئ ظهورها وتحني رؤوسها للطغاة وتمشي في ركابهم وتتمسح بأعتابهم هذه هي المشكلة القرآن يقول المتبوعون مثل التابعين، يقول القرآن {..وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ}[سبأ: 31، 32] كل طائفة تحمل الطائفة.. ونحن ما لنا نحن أجبرناكم؟! والقرآن يقول {..قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ}[الأعراف:38] الكل، {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً}[الأحزاب: 67، 68] فالقرآن يحمل الجميع المسؤولية حتى يشعروا بأن كلا منهم له شخصيته، ما الذي يجعلك تبيع نفسك لهؤلاء؟ لا بد أن يظل الإنسان رأسا لا ذنبا، ربنا خلقه رأسا ولم يخلقه ذنبا، وكما قال سيدنا علي لابنه "يا بني لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا" أنت ربنا خلقك حرا كريما لماذا تذل نفسك لمخلوق مثلك؟ هذا أمر مهم. وبعدين قول "كما تكونوا يولى عليكم" هي فيها جزء حق وجزء.. يعني هناك تداخل، الناس أيضا كما تكونوا يولى عليكم، أيضا كما يولى عليكم تكونوا أيضا، الحكام يؤثرون في الناس والناس بيفرزوا الحكام، يعني الحاكم الظالم هو إفراز المجتمع، المجتمع الصالح لا يفرز يعني حاكما سيئا، ففي تبادل في التأثير بين الحاكم وبين مجتمعه والمفروض أن المجتمع كله مسؤول، إن الله ينزل العقاب على المجتمع الذي يرى الظالم ويسكت عليه..
عثمان عثمان: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً..}[الأنفال:25]
يوسف القرضاوي: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً..} وسيدنا أبو بكر يقول إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده" وحديث النبي عليه الصلاة والسلام هو حديث عظيم في تربية الشعوب وتوجيهها، يقول "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" هذا ما كان يقوله أهل الجاهلية ويأخذون هذا الكلام على ظاهره، يعني أنا مع ابن القبيلة سواء كان ظالما أو مظلوما أنا بأنصره، إذا جاء يستغيثني أغثه وأكون ضد خصومه ولو كان هو الظالم وهم المظلومون، الإسلام يقول لك لا "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" قالوا يا رسول الله ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال تأخذون على يديه، تمنع من الظلم أو تحجزه من الظلم فذلك نصره، أنت تنصره على نفسه وعلى هواه وعلى شيطانه حينما تمنعه من أن يظلم غيره، فهذا شأن المجتمع المسلم.
عثمان عثمان: فضيلة الدكتور مواجهة الظالمين المتألهين ربما تحتاج تربية نفسية وتوعية، موسى عليه السلام كان نبيا رباه الله عز وجل قدم له كل وسائل الدعم، ماذا يفعل مسلمو اليوم أمام فراعنة العصر من آل فرعون؟
يوسف القرضاوي: يفعلون ما فعل موسى، موسى أيضا كان بشرا وحينما قال {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}[طه:43، 44] يعني أمرهم بالذهاب ولكن أيضا أمرهم بالرفق واللين والدعم والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة هذا هو شأن الداعية ولذلك يعني قال له فقل له يعني اذهب إلى فرعون {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}[النازعات: 18، 19] حتى علمه الألفاظ يقول {..هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى} بهذا الأسلوب يسمونه أسلوب العرض بالاستفهام {..هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} مع هذا قال سيدنا موسى وهارون {قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى، قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}[طه: 45، 46] فطمأنهما أن الله معهما، وربنا مع كل من يدعو إلى حق، كل من يقاوم باطلا كل من يقف في وجه طاغية، ربنا معه، كما قال لموسى إنني معكما هو مع كل داعية مؤمن، إنني معكما أسمع وأرى، فمن هنا المفروض أن أي إنسان يقف في وجه الطواغيت يعلم أن الله معه وأن أحدا لا يستطيع أن ينقص من أجله لحظة واحدة ولا أن ينقص من رزقه لقمة واحدة أو فلسا، رزقه معلوم أو مقسوم وأجله محتوم ما حد يقدر ينقص من عمره أو من أجله أو من رزقه، فلماذا يخاف؟! فالناس المفروض تؤمن بهذا وبعدين المفروض الناس تتعاون على مقاومة الظالمين، ما الذي نصر أهل تونس على من ظلمهم؟ إنه تعاونهم، واحد ظلم وأحرق نفسه شاب البوعزيزي هذا الذي يعني سألنا الله أن يعفو عنه ويغفر له أنه ارتكب كبيرة من أكبر الكبائر لكن لعل المسؤول عن هذا هو الشحنة شحنة الغضب والانفعال والغليان الذي كان في نفسه وهذه يتحملها هؤلاء الطغاة ولذلك نشفع له عند الله عز وجل، الآن الشعب شعب المنطقة منطقة سيدي بوزيد دي غضبت له وبعدين تبعتها منطقة أخرى ومنطقة ثالثة ومنطقة.. لما تجمع الناس لا يستطيع الطغاة أن يقفوا ضد الشعوب إنما هم يأخذون الناس كل فئة لوحدها فينتصرون عليهم، لو وقف الناس كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا كما قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ}[الصف:4] إذا فعل الناس ذلك لا يستطيع الطغاة أن ينتصروا عليهم ويستجيبون للصوت الذي ينادي بالحق ويعملون على إنصاف المظلومين وإحقاق الحق وإبطال الباطل ولكن الناس إذا تفرقوا أعطوهم فرصة للطغاة والفراعنة الجدد أن يتسلطوا عليهم.
عثمان عثمان: الخطوة الأولى مولانا في مواجهة موسى عليه السلام لظلم فرعون أنه ترك بيته لما أدرك فساده وظلمه، ما أهمية الانفصال عن الظلم والجرأة في مواجهته وتحديه؟
يوسف القرضاوي: لا بد من أن يوطن نفسه على الوقوف في وجه الظالم، سيدنا موسى لم يظهر يعني في حياته قبل الرسالة أنه أراد أن يقف في مواجهة الظالمين {..فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ..}[القصص:15] فأي واحد يستغيثه مظلوم لازم يقف مع المظلوم ضد الظالم، ما كان يريد أن يقتل الرجل الذي قتله ولكن أراد أن يرده عن ظلمه ومستقوي على الإسرائيلي الذي هو من شيعة موسى فلما استغاثه الذي من شيعته وكزه موسى فقضى عليه، يعني قدره هذا فسيدنا موسى غلط نفسه {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ..}[القصص:16] ولكن مع هذا {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ}[القصص:17] هي دي بقى اللي تبين موقفه {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} لن أكون مع المجرمين، لن أكون في خدمتهم لن أكون جنديا ينفذ مآربهم ومقاصدهم {..فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} فهذا هو شأن الإنسان المؤمن، إن لم يقدر على إزالة الظلم فعلى الأقل لا يقوي الظالمين ولا يشد أزرهم، وبعدين فر من البلد كلها إلى أن أتى الأوان الذي كلفه الله بمواجهة الطاغية، مواجهة الطاغية هي ليست أمرا سهلا يعني حتى ربنا سبحانه وتعالى أراد أن يؤهله {فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى}[النازعات:20] يعني ربنا لما أراد يعد سيدنا محمد للجهاد الدامي الطويل أراه آية الإسراء والمعراج {..لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا..}[الإسراء:1] ليرى الكون ويرى آيات الله في الكون ويعرف قدرة الله، حينما يقول له قاتل هؤلاء، الفراعنة أيضا كان الصحابة بيسموا أبو جهل فرعون هذه الأمة، ولما سيدنا عبد الله بن مسعود ركب صدره وأراد أن يحز رقبته قال لهم بكل كبرياء لقد ارتقيت يا رويعيي الغنم مرتقى صعبا، فربنا هيأه، وسيدنا موسى ربنا هيأه حينما قال له {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى، قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى، قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى، وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى}[طه: 17- 21] لماذا؟ يريد أن يريه آيات الله الكبرى حتى يلقى فرعون وقلبه قوي مطمئن بأن الله معه وأن قدرة الله لا يغلبها غالب {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ..}[آل عمران:160] فأراد أن يقوي قلب موسى عليه السلام فأعده هذا الإعداد ليواجه أكبر طاغية في العالم في ذلك الوقت كان فرعون يمثل أكبر قوة فاتح الفتوح ويعني فالله سبحانه وتعالى أعده ليلقى هذا الطاغية ويواجهه {أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ..}[الدخان:18]، {..فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ..}[طه:47] يعني لأن رسالته كانت رسالة توحيد ورسالة تحرير، فجاء يدعوهم إلى التوحيد ولا إله إلا الله وجاء يدعوهم إلى تحرير بني إسرائيل أرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم {..أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ..} هات لي قومي، ارفع عنهم العذاب وارفع عنهم الإصر والتسخير، هؤلاء أمة أحرار من حملة التوحيد لا يجوز لك أن تستعبدهم.
عثمان عثمان: مولانا أختم بالسؤال في دقيقة ونصف، الأخ عبد الرحمن شديد يقول "هل جزاء وعقوبة الطاغية على ظلمه يكون في الدنيا قبل الآخرة كما حصل لفرعون؟ وهل علامات سوء الخاتمة دليل على هلاك الميت؟" المخرج يقول لي بقيت دقيقة واحدة فقط.
يوسف القرضاوي: في هذه الدقيقة نقول إن الطاغية لا بد أن ينتقم الله تعالى منه، الله سبحانه وتعالى يمهل الطغاة ويملي لهم ويستدرجهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى {وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ،َ ذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ}[القمر:41، 42]، {..وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[النحل:118] هذا الطاغية الجبار لما جاءته نقمة الله ولما جاءه عذاب الله لم ينفعه مال قارون ولم ينفعه مكر فرعون ولم ينفعه الجنود الذين كانوا يحمونه {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ}[القصص:40] فهذه نهاية كل ظالم أن الله يأخذه أخذا أليما شديدا كما في الحديث القدسي "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}[هود:102].
عثمان عثمان: أشكركم مولانا فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الإفاضة الطيبة كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحيات معد البرنامج معتز الخطيب والمخرج منصور الطلافيح وسائر فريق العمل وهذا عثمان عثمان يستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

No comments: